كيف يعتمد ازدهار البشرية على صحة محيطاتنا؟

كيف يعتمد ازدهار البشرية على صحة محيطاتنا؟

مثلما يشكل الماء نحو 70% من جسم الإنسان، فإن المياه تغطي أيضاً قرابة 70% من كوكبنا. ونحن نعلم يقيناً أن زيادة نسبة المياه أو نقصانها في جسم الإنسان قد تشكل خطراً جسيماً على حياته؛ وهذا التشابه الرمزي يجب أن يكون تذكيراً قوياً بأن اختلال “الحياة تحت الماء” (الهدف 14 من أهداف التنمية المستدامة) سيؤدي بالتبعية إلى مخاطر متزايدة تمس جودة “الحياة على البر” (الهدف 15). بهذا المعنى، الماء هو الحياة حرفياً، فالبشرية وأنظمة المحيطات مرتبطة برباط لا يمكن فصمه.
تتجلى إحدى أهم الأدوار التي تلعبها المحيطات في خلق “مصدات طبيعية” ضد المخاطر الساحلية، مثل تسونامي، وعواصف المد والجزر، وأزمات الغذاء المرتبطة بتسرب الملوحة إلى التربة.
بصفتي مواطناً من دولة جزرية، أو “دولة محيطية كبرى” كما تفضل الدول الجزرية الصغيرة النامية تسمية نفسها — نظراً لموقعها الجغرافي والقيمة الجوهرية للمحيطات للعالم أجمع — فإنني أدرك بالفطرة أثر ذلك على رفاهنا الاقتصادي والاجتماعي. كما كنت شاهداً شخصياً على الآثار المدمرة لبعض الأنشطة البشرية (الأنثروبوجينية) على النظم البيئية للمحيطات، وما ترتب عليها من عواقب غير محمودة مست أمننا وسلامتنا.
واقع الحياة الساحلية
خلال نشأتي كشاب في منطقة الكاريبي، قمت برحلات عديدة إلى المناطق الساحلية المجاورة. منحتني الأنشطة الاجتماعية والترفيهية فرصة لتأمل عجائب المحيطات وأنظمتها البيئية المعقدة؛ من شواطئ ساحرة وخطوط ساحلية صخرية تشكلت بفعل حركات المد والجزر لمحيط كان يوماً ما معافى.
لكن مع مرور الوقت، لاحظت تغيرات كانت بمثابة علامات إنذار مبكر لتدهور صحة نظمنا البيئية تحت الماء، ويرجع ذلك أساساً إلى التلوث الذي كان يفتك بالشبكة المعقدة للحياة المائية.
وفي مرحلة لاحقة من قصتي الشخصية، ولكن في وقت مبكر من مسيرتي المهنية، عاينت مباشرة “غضب المحيط” — صرختها طلباً للغوث في حرب كانت تخوضها ضد البشرية.
في عام 1998، تسبب إعصار “ميتش” — وهو أحد أكثر الأعاصير فتكاً في تاريخ أمريكا اللاتينية وأجزاء من الكاريبي — في حدوث عواصف وصل ارتفاعها إلى 13 متراً (44 قدماً)، مما أطلق العنان للقوة التدميرية للمحيط على الحياة الساحلية، بما في ذلك المجتمعات المعتمدة على السياحة في غرب جامايكا. تحطمت جدران كاملة من الخرسانة المسلحة، ولحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية. وكان من أكثر المشاهد الصادمة ما قذفه المحيط على تلك الشواطئ التي كانت يوماً ما ناصعة البياض؛ فبين الكائنات المائية، كانت هناك أكوام من النفايات التي تراكمت في المحيط بمرور الزمن.
ما أدركته بوضوح في ذلك اليوم، لم يكن الخوف من تكرار الكوارث الطبيعية، بل كان اليقين بما نفعله بالأنظمة الطبيعية التي نعتمد عليها — بوعي أو بدون وعي — من أجل بقائنا. إن سعينا خلف التنمية من أجل الرخاء الفردي أو الجماعي كان يؤدي إلى عواقب تدميرية هائلة.
الاتحاد في وقت حرج
وبالعودة إلى الحاضر، حظي “مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات” الذي عُقد تحت شعار “إنقاذ محيطنا، حماية مستقبلنا” باهتمام كبير واستشعار متجدد بضرورة التحرك العاجل.
أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقريرها عن “حالة المناخ لعام 2021” إلى أن محيطات العالم وصلت إلى أعلى مستويات الحرارة والحموضة المسجلة تاريخياً، مما يهدد النظم البيئية، والأمن الغذائي، والاقتصادات المعتمدة على السياحة. هذا الواقع، مقترناً بالارتباط بين ارتفاع حرارة المحيطات وتطور الأعاصير المدارية، لا يبشر بمستقبل إيجابي للدول الجزرية الصغيرة النامية على وجه الخصوص.
ويشير هذا المشهد إلى احتمال حدوث عواصف أكثر قوة، وتآكل مستمر للمصدات الساحلية الطبيعية، وتراجع قدرة الاقتصادات على توفير رأس المال اللازم للاستثمار في الوقاية والاستعداد وبناء القدرة على الصمود.
يؤكد العلم أن جودة محيطاتنا تدهورت بشكل خطير نتيجة للصيد الجائر والتلوث البحري، فضلاً عن الممارسات غير المستدامة على اليابسة، مثل سوء إدارة الأراضي، وحرق الوقود الأحفوري، والتخلص غير السليم من النفايات، مما يؤدي إلى “تحمض المحيطات”.
إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن صحة محيطاتنا وقدرتها على دعم الحياة ستزداد سوءاً. ببساطة: المحيط هو أحد أعظم حلفائنا في جهودنا لمواجهة حالة الطوارئ المناخية، ومع ذلك لا نزال نلحق به ضرراً بالغاً.
لقد حان الوقت الحرج للاستثمار في استعادة صحة محيطاتنا. إن إعادة التوازن الذي توفره لاستدامة الحياة على الأرض تتطلب جهداً عالمياً متضافراً يشمل الجميع، من قادة العالم إلى المواطنين. وهذا لا يعني أقل من تحول هيكلي كبير، واستثمارات في حلول متكاملة ترتكز على أهداف التنمية المستدامة.
إن عكس هذا المسار هو قضية تنموية بامتياز؛ فكل قرار تنموي خاطئ يخلق مخاطر جديدة، ويدفع بنظمنا البيئية الطبيعية إلى ما وراء حدود قدرتها على التحمل. يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) على تعزيز حلول مستدامة ومرنة تراعي المخاطر. ففي الفلبين — التي زرتها مؤخراً في أعقاب إعصار “أوديت” — يعمل البرنامج عن كثب مع الصيادين منذ عام 2020. ومع إدراكنا للمخاطر المركبة التي خلفتها الكوارث الطبيعية المتكررة وجائحة كوفيد-19، لم يقتصر التركيز على التعافي فحسب، بل شمل أنشطة مخصصة لبناء الصمود تحمي صحة المحيط وتدعم سبل العيش في آن واحد.
نحن متفائلون بأن المقاربات الشخصية التي تعالج التحديات النوعية والمحلية للمجتمعات الساحلية ستؤدي إلى فوائد أكبر للدول، وعلى رأسها نظم بيئية بحرية أكثر صحة.
فلنستمر في “دق ناقوس الخطر” بشأن حالة محيطاتنا. لكل منا دور يؤديه، ومسؤولية يجب أن يتحملها. نحن الماء، ومحاطون بالماء، ووجودنا ذاته يتوقف عليه.
رابط المقال الأصلي باللغة الإنجليزية [ https://www.undp.org/blog/how-humanitys-prosperity-depends-health-our-oceans]


