الموازنة بين السياسة الاقتصادية للدولة والسياسة الحزبية

فلاح الأميري

ان الموازنة العامة تمثل مجمل التخطيط لسياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق الاهداف الوطنية العامة، كما إن الموازنة العامة تعكس مجمل النشاط الاقتصادي حيث إن السلطة لا يمكن ممارسة نشاطها دون إنفاق ولا يمكنها أن تنفق دون الحصول على ايراد.
ان ما اعدته الحكومة من موازنات في الدولة العراقية منذ عام 2003وتم التصويت عليها واقرتها السلطة التشريعية بقوانين، لم تتضمن استراتيجيات تؤكد على الاصلاح الاقتصادي انما كان اقرارها حالة توافق في الايراد والانفاق كحالة معتادة في السلطتين التنفيذية والتشريعية في التوافقات السياسية من جهة والتوافقات المالية من جهة اخرى، أي انها ترسم خطوط لتلبية الاحتياجات الى السمعة السياسية للقائمين على اعدادها وليس اشباع الحاجات العامة للشعب والدولة، وهذا في شقي الموازنة التشغيلية والاستثمارية منها، كما انها اصرت على ابقاء مصدر الايراد احادي ريعي ونفس هذا المصدر بقي بلا تطوير او خاضع لبرنامج تشابك امامي وخلفي مع بقية القطاعات، أي انه ايضا لم يكون ضمن التخطيط الاستراتيجي، علما انه خاضع لعدة عوامل متغيرات داخلية وخارجية وتقلبات اقتصادية كثيرة لابد ان تكون ضمن برنامج اعداد تلك الموازنات، كما انها لم تبالي في ترشيد الانفاق العام وترتيب الاولويات لما تمر به البلاد بشكل خاص وما يمر به العالم بشكل عام، وايضا لم نجد في اعداد الموازنة ما يشير الى التنظيم السكاني والاسري بين الحضري والريفي وكذلك الاولوية في القطاعات، فأخذت السلطة التشريعية في مخالفة واضحة لما جاء في الدستور وفق المادة 62/اولا /ثانيا، حيث ان مشروع الموازنة تكتبه وتعده السلطة التنفيذية فهي ادرى باحتياجات وزاراتها وفق خطة ومراحل مسبقة بين دوائر تلك الوزارات، وهي الملامة بشكل مباشر من قبل الشعب في تحديد الاولويات في الاحتياجات، ولا فرق بين استحقاقات المواطن في الجنوب او الوسط او الشمال، ولافرق بين الموظف في دائرة ما عن غيره، والتخطيط على اساس القوانين التي تنص وتقر بالاحتياجات العامة وفق كثافة سكانية مثلا او لها موارد اضافية او ظروف استثنائية وهذا ماتراه وتخطط له السلطة التنفيذية في زيادة الانفاق والاستحقاق، ويأتي الدور للسطلة التشريعية في خفض الانفاق بشكل بسيط مع جواز المناقلة لبعض الابواب، لكن السلطة التشريعية ادخلت الموازنة في نفق الحزبية والسمعة الانتخابية ، فأخذ على عاتقها امرين، الاول هو اظاهر السلطة التنفيذية بموقف المخطئ والمسرف وهي تقف في خندق معادي للشعب، واخذت اظهار الانفاق الذي لا يتعارض مع نفوذ ومساحة احزابها في توزيع الوزارات والادارات العامة بينما اغفلت عن الانفاق الذي يكون ايراد مستمر لها في المحاصصة للمناصب في السلطة التنفيذية، اما الامر الاخر فيتبع تطلعات الكتل السياسية في السلطة التشريعية حول التخصيص باعتماد المناطقية حسب دهاء وفاعلية نوابهم بخلق شعور لدى من رشحهم سابقا او مستقبلا انهم من يدافعون عن استحقاقاتهم في الموازنة العامة.
تمر الموازنة العراقية بمطبات بل بأنفاق مظلمة في اروقة الحكومة التشريعية وتتلاقف بين ايدي الكتل السياسية للاطلاع على ما هو مناسب لهذه الكتل السياسية حاليا ومستقبليا وان تتوافق مع ما تريد في برامجها السياسية والانتخابية، ان الامر المهم الذي نحاول عرضه حول الموازنة والمشاكل المتعلقة فيها من اعداد النص لها في الموارد والانفاق، وترتبط هذه الامور بالسياسة الاقتصادية المتبعة في العراق والرؤية الاقتصادية في الادارة المالية، حيث تعتمد السياسة الاقتصادية في جباية الايرادات على نسبة كبيرة او رئيسية على الايراد النفطي.
ان العراق كان ولايزال يعتمد على العوائد المالية النفطية لتمويل الانفاق العام و عملية التنمية الاقتصادية، ان هناك علاقة طردية وإيجابية بين أسعار العالمية للنفط ورصيد الموازنة العامة، أي ان زيادة في أسعار العالمية للنفط ينعكس بصورة مباشرة على الموازنة العامة. كما ان الصادرات النفطية يؤثر ايجابياً على رصيد الموازنة العامة في العراق وهذه النتيجة يتفق مع واقع الاقتصاد العراقي من حيث اعتماده على الصادرات النفطية وعوائدها لتمويل الموازنة العامة. و بناء على ذلك فانه ضرورة العمل على تنويع مصادر الإيرادات العامة وترشيد النفقات العامة وذلك من خلال زيادة تحصيل الإيرادات الضريبية وزيادة الانفاق الاستثماري،
يعتبر النفط الخام من اهم السلع المتداولة في ميزان التبادل الدولي ومصدر مهم من مصادر الطاقة كما يلعب النفط الخام دور مهم في تحديد السياسات الدولية بالنسبة للجميع دول العالم سواء المنتجة او المستهلكة . اما بالنسبة للعراق فان النفط الخام يعتبر مصدر مهم من مصادر تمويل الموازنة العامة وتمويل مشاريع التنمية، والمشكلة الاساسية هي ان القطاع النفطي في العراق لم يساعد على تطوير الاقتصاد العراقي على الرغم من وفرة الايرادات.
تعاني الموازنة العامة في العراق للعجز المستمر على الرغم من الزيادة في الايرادات العامة
الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي احادي الجانب يعتمد بشكل مباشر على القطاع النفطي في تحصيل الموارد المالية الى جانب ضعف القطاعات الاخرى ومدى مساهمتها في تمويل الموازنة العامة، ومنذ اقرار اول موازنة بعد عام 2002 بقي هذا الاعتماد دون استغلال الموارد المالية المتأتية من القطاع النفطي في تنمية وتطوير الاقتصاد العراقي وتوجيه النفقات العامة الى وجهتها الصحيحة وتنمية النفقات الاستثمارية، مع عدم رسم استراتيجية لضرورة التنويع الاقتصادي والاعتماد على مورد واحد في تمويل النفقات العامة ولم تراعي السياسة الاقتصادية تنمية وتطوير القطاع الزراعي الصناعي .
اليوم ونحن نتجاوز حد الموازنة الذهبية بمجموع لها اكثر من 1000مليار دولار منذ اقرار اول موازنة بعد 2003، ولازالت هنالك الكثير من الامور تتصدر الواجهة في السياسة الاقتصادية واهمها العجز والبطالة وضعف التنمية في جميع القطاعات منها الاستقرار الامني وبشكل مستمر، مع اعتماد ايراد ريعي احادي، ومع عدم وجود حسابات ختامية لأغلب الاعوام ، وباتت ظاهرة التهرب الضريبي تشكل امرا طبيعيا في جميع القطاعات.
ان استحسان الكتل السياسية لهذا الواقع في السياسة الاقتصادية امرا طبيعيا فهم يرون انفسهم مالكين لهذا البلد واين ما تمطر غيمة فغيثها لرصيدهم المالي والسياسي، انه ليس بالدفع العدائي للنظام الديمقراطي بل ان متطلبات الديمقراطية فقدناها في هذا الموضوع الاساسي والحيوي التنموي، ومن اهم تلك المتطلبات هي الشفافية والرقابة المجتمعية والتشاركية في اعداد الموازنة كما جاء في الدستور الجديد والقوانين النافذة المشرعة منه والقوانين العراقية السابقة والنافذة.
فأن توفرت ارادة سياسية حقيقية بأنصاف الشعب وتضع الاحتياجات العامة في خانة مصلحة البلد والمجتمع نستطيع القول انها موازنة عامة وطنية وليست موازنة سياسية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.