المنافع الاجتماعية والبترودولار في رابع أغنى مدن العالم

(البصرة)

    فلاح الاميري

يعد النفط الايراد الرئيسي للموازنات الاتحادية في العراق، وتعد البصرة المصدر الأكبر لذلك الايراد، اذ انها توفر ما يقارب 90% من واردات الموازنة الاتحادية، وتُعدّ البصرة أكبر مدينة نفطية في العالم وتنتج ما نسبته 73% من نفط العراق وبمعدل 3 ملايين برميل يوميا وتستحوذ على 4 حقول نفطية من أصل 6 عملاقة في العالم، ويقدّر احتياطها النفطي بأكثر من 93 مليار برميل، وهذا ما يجعل استحواذ العمليات النفطية على أجزاء شاسعة من مساحتها البالغة نحو 19 ألف كيلومتر مربع، حسب تصريحات وزارة النفط، وعلى الرغم من هذه الثروة الهائلة الا انها لم تجلب لسكانها سوى المزيد من الامراض السرطانية والتلوث البيئي والبطالة والفقر وتدهور في البنى التحتية.

ان للبصرة استحقاقات كبيرة وكثيرة، الا انها تعاني من اهمال كبير وغبن واضح فيما يتعلق بموضوعة المنافع الاجتماعية والبترودولار، والمقصود بالمنافع الاجتماعية هي المساهمات التي تقدمها شركات النفط العالمية العاملة في الصناعات الاستخراجية بهدف تطوير المدن التي تعمل فيها تلك الشركات من مشاريع بنى تحتية ومشاريع تطوير الأداء، وتهدف هذه المساهمات الى تحسين مستوى المعيشة والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق المتأثرة، الا ان تلك المساهمات ومنذ سنوات لا يوجد لها إثر يذكر، اما في ما يخص البتر ودولار والذي يعد استحقاقاً للمحافظات المنتجة للنفط ، كما جاء في التعديل الأخير و يقدر بنسبة 5% لكل برميل، والذي أمواله يفترض تخصيصها لخدمة سكان البصرة ولتطوير المحافظة وزيادة في مشاريع البنى التحتية، الا ان تلك الأموال لا يوجد لها اثر يذكر او لم توجه لمشاريع استراتيجية واضحة المعالم ، وعلى الرغم ان البصرة تعد الاغنى بين مدن العراق وانها المدينة الاغنى بالمرتبة الرابعة عالميا اي انها تسبق دبي في دولة الامارات، الا انها الاكثر تردياً للخدمات ، عوضاً عن حالات الفقر التي تصل الى 40% حسب اخر تصريح لمكتب حقوق الانسان في البصرة.

وفي هذا الإطار أجرى معهد نيسان للوعي الديمقراطي بالشراكة مع منظمات أخرى في ذي قار( منظمة تمكين ) والمثنى (مركز ذر للتنمية )، استبيان لقياس مدى معرفة المواطنين بتخصيصات البترودولار والمنافع الاجتماعية لشركات النفط، حيث تضمن الاستبيان 27 سؤالاً وفق ثلاثة أجزاء، اولاً قياس معرفة المواطنين بتفاصيل المنافع الاجتماعية والبترودولار، ثانياُ قياس المشاركة ورضى المواطنين، ثالثاً اولويات المواطنين للمشاريع التي يمكن تمويل تنفيذها من المنافع الاجتماعية، وكانت النتائج باختصار:
ان 96% من المواطنين في محافظة البصرة يعرفون بوجود شركات نفط او مصافي لتكرير النفط في المحافظة ، وهم على دراية بأن النفط ركن هام من اقتصاديات المحافظة ، بينما نسبة 24.6% هم على معرفة محدودة بما يسمى تخصيصات البترودولار وهذا يعطي مؤشر عن عدم وجود شفافية لدى المؤسسات المعنية فيما يتعلق بموضوعة تخصيصات البترودولار، وتأكيداً على عدن معرفة الأغلبية لمفهوم البترودولار ظهر قرابة 31.6% من المواطنين الذين لم يعرفوا طبيعة ونوع المشاريع من تخصيصات البترودولار ، والسبب يعود في ذلك لعدم افصاح المؤسسات المعنية عن تلك المشاريع، اما بالنسبة للمنافع الاجتماعية ان نسبة 9.8% هم فقط من على معرفة تامة ، وتتراجع مستويات المعرفة بما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية لشركات النفط حيث كانت نسبة 11.8% من هم على معرفة تامة وهي النسبة الأقل ، كل هذه النسب تعطي مؤشرات واضحة عن حاجة المواطنين لتبيان هذه التخصيصات بشفافية عالية، وهنا يأتي دور المؤسسات المعنية اولاً والحكومة الاتحادية والمحلية ثانياً ، اما عن المشاركة ورضا المواطنين ان 77% من المواطنين لم تتاح لهم فرصة للتعبير عن رأيهم حول المشاريع واولوياتها وذلك مؤشر عن عدم اهتمام المؤسسات المعنية برأي المواطنين فيما يتعلق بالمشاريع واولوياتها، اما 68% من المبحوثين لا يعتقدون ان شركات النفط الوطنية والأجنبية تنفق مبالغ المنافع الاجتماعية على مشاريع حيوية في المحافظة ، وهذا مؤشر عن تلكؤ الشركات النفطية بنشر انفاقات المنافع الاجتماعية او عدم التزام تلك الشركات بالالتزام بالبنود الخاصة بما يتعلق بمبالغ المنافع الاجتماعية، اما الجزء الثالث وهو أولويات المواطنين ان 25.2% يعتقدون ان أولويات المشاريع في مجال الصحة يجب ان تكون باتجاه بناء المستشفيات والمراكز الصحية ، بينما النسبة الأقل والتي كانت 12.6% أشاروا الى تجهيز المستشفيات بالأجهزة والمعدات ، عوضاً عن النسب الأخرى والتي كانت متباينة بين ان تذهب تلك الأموال للتربية والتعليم وبناء وتأهيل المدارس ، واخرون أعطوا الأولوية للخدمات والبيئة وإصلاح الأراضي الزراعية وتدريب الشباب العاطلين عن العمل او مساعدة الفقراء.

اما عن الاجراءات والقرارات الحكومية الاخيرة فيما يخص التخصيصات المالية للبتر ودولار فقد تغيرت عام 2021 عن الاعوام السابقة حيث جاءت التصريحات ان تثبت نسبة قدرها 5% من كل برميل وبالرغم من ان تخصيصات البتر ودولار مثبتة في جميع الموازنات السابقة حيث كانت بتخصيص 5 دولار لكل برميل لكن لا يوجد شيء ملموس، بذريعة وجود عجز مالي لدى وزارة المالية، وتقدر المديونية السابقة ب25 ترليون دينار عراقي للمحافظات المنتجة ونعتقد ان القيمة اكثر من هذا المبلغ لعدم وجود شفافية في تحديد القيم للسنوات السابقة، وبتاريخ 8/5/2021 اوضح النائب صادق السليطي( عضو لجنة الطاقة النيابية) : ” أنه من المقرر فتح حسابات للصندوق يتم تغذيته شهريًا من إيرادات النفط”.

وكانت البيانات الرسمية أظهرت ارتفاع صادرات النفط العراقي في أبريل/نيسان لهذا العام 2021، لتقترب من 3 ملايين برميل يوميًا، مسجلة إيرادات بلغت 5 مليارات و525 مليونًا و330 ألف دولار.

وقال السليطي إنه “تم تخصيص تريليون دينار لصالح البتر ودولار في الموازنة الجديدة، مشيرًا إلى أنه في حال عدم قيام وزارة المالية بفتح حسابات للصندوق وتغذيته بالإيرادات فإن ذلك سيعرض الوزارة إلى المساءلة القانونية، سواءً من قبل المحافظات أو من أعضاء مجلس النواب”.

وبالرغم من هذه القيم المالية من الاسهامات للمنافع الاجتماعية والبتر ودولار المخصصة لمحافظة البصرة، الا انه لازالت نسب الفقر والبطالة والنشاط الاقتصادي في تزايد حيث بلغت نسبة البطالة كقيم تراكمية( داخل المحافظة) الى 40%، ونسبة الفقر الى 40%، والنشاط الاقتصادي الى 39.4%، حسب تصريحات النائب في البرلمان العراقي عن محافظة البصرة صفاء البندر بتاريخ 17/9/2020.
تستمر المشاكل الاجتماعية ويتزعزع الاستقرار الاجتماعي وتتزايد وترتفع صوت الاحتجاجات الغاضبة، مع وجود الحلول التي تعزز وتعظم الايراد وتخفض الانفاق وتزيد الرفاهية، في محافظة البصرة، علما انه استحقاق وفق القانون وليس حل مضاف، فلو اطلقت هذه التخصيصات على قطاع الصناعة او الاسكان او بقية القطاعات مثل الصحة او الخدمات، فمن المؤكد انها تغير واقع حال البصرة كمدينة غنية كما هو المفترض الى واقع افضل مع خفض نسبة الجريمة وانتشار المخدرات التي تعد هي افرازات البطالة ، وقد تقلل نسب الطلاق والمشاكل الاجتماعية الناتجة عن نسب الفقر وتحد من ارتفاع الاحتجاجات المطالبة بالحصول على فرص عمل او الامتعاض من واقع الخدمات وهو امر ضروري جدا لشعور المواطنين انهم يعيشون في مدينة هي رابع مدن العالم غنى، كما ان مفهوم فتح حساب او صندوق خاص المحافظة لم توضح الالية لعمله.

ان من اهم الامور التي يجب العمل عليها من خلال تخصيصات البتر ودولار والمنافع الاجتماعية للشركات النفطية الاجنبية والوطنية وغير النفطية، هو موضوع التلوث البيئي في المحافظة ولابد من ايجاد قانون للعدالة البيئية في المحافظة يضاف الى قوانين العدالة الاجتماعية التي تكاد غير موجودة في طيات قوانين حقوق المواطنين العراقيين فضلا عن مواطني رابع اغنى مدن العالم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.